مزارع فصايل
من حيث البداية
أغلب المزارع مشاريع تجاريّة. أمّا مزارع فصايل فحوارٌ — بدأ في ثمانينيات القرن التاسع عشر بين عائلةٍ ورقعةٍ من الأرض في شمال غور الأردن، ولم يتوقّف. بدأ مع قاسم النمر، الذي وصل إلى رأس العين — النبع الذي يمنح فصايل ماءها — وفعل ما يفعله البُناة: نظر إلى ما يمكن أن تعطيه الأرض، وبنى البنية التحتيّة لاستقباله. قنواتٌ حجريّةٌ تنقل ماء النبع إلى الحقول. أقنيةٌ حجريّة تُوزّعه. وفي قلب ذلك كلّه طاحونةُ قمحٍ مائيّة تدور بقوّة الجريان. من نبعٍ واحد، صنع منظراً حيّاً يعمل.
الجيل الثاني: فهمي يفتح المدى
أخذ فهمي النمر، ابن قاسم، ما بناه أبوه وحوّله إلى عالم. وسّع الزراعة في فصايل، واستقطب المزارعين والعمّال، وحوّل حقول العائلة إلى قريةٍ تعيش من التراب. حفر أوّل بئرٍ ارتوازيّةٍ عميقة في المنطقة — مُحرّراً المزرعة من اعتمادها على النبع وحده — وبنى خطوط تجارةٍ حملت قمح فصايل ومنتجاتها إلى الأردن وسوريا ولبنان. كان في النهار مزارعاً، وفي المساء يجلس في مجلس بلديّة نابلس. كان يدرك أنّ المزرعة ليست أرضاً فحسب — بل اقتصاد ومجتمع ومستقبل.
الجيل الثالث: سلهام وسمسم وسعد
نشأ أبناء فهمي الثلاثة داخل العمل، وأضاف كلٌّ منهم فصلاً مميّزاً. سلهام أسّس المزرعة شركةً، ووسّع الزراعة، وأدخل الزراعة في الدفيئات. وسمسم كان المُجدِّد — أدخل الريّ بالتنقيط، وقاد عمليّة الكشف عن بِركةٍ رومانيّةٍ قديمة دُفنت تحت ثمانية أمتار من التراب، وأعاد ترميمها خزّاناً عاملاً للمياه بمساعدة الجيران والمتطوّعين الأوروبيّين. وسعد بنى كروم العنب، ووسّع الدفيئات، وأشرف على مواسم البطّيخ والقمح، وفي عام 2015 غرس أوّل ما صار اليوم أكثر من 3,150+ نخلة مجدول على 280 دونماً. وفي عام 2016، أُعيد إحياء بئر فهمي المركزيّة — التي صمتت عشرين عاماً — لتجري من جديد.
ماذا يعني التواصل للجودة
حين تزرع عائلةٌ الأرض ذاتها مئةً وثلاثين عاماً، يتراكم شيءٌ لا يُصنع: معرفةٌ حميمةٌ بما تُنتجه هذه التربة بالذات، وهذا الماء بالذات، وهذا المناخ بالذات. عائلة النمر تعرف متى تنزاح طبقة الماء الجوفيّ. وتعرف أيّ أركان أيّ الحقول تصرّف الماء بشكلٍ مختلف بعد المطر. وتعرف كيف تشمّ بستان مجدولٍ جيّداً عند الغسق في آب، قبل شهرٍ من الحصاد. هذه هي المعرفة التي تجلس وراء كلّ صندوق تمرٍ يغادر فصايل. ليس تسويقاً. ليس علامةً تجاريّة. مئةٌ وثلاثون عاماً من عائلةٍ واحدة، وأرضٍ واحدة، وحوارٍ واحدٍ متواصل.
